إساءة معاملة الأطفال والاكتئاب - القلق لا يزال قائماً

لقد ثبت أن الطبيعة والتنشئة لا ينبغي اعتبارهما أعداء أو متضادين تماماً، بل كحقيقتين متشابكتين تعملان معاً لتكوين التجربة الإنسانية. لقد صُممت الطبيعة للتنشئة.


وقد وثقت العديد من الدراسات الحديثة والبارزة التأثيرات التي يمكن أن تخلفها تجربة الطفولة المبكرة على التركيبة الفيزيائية والكيميائية للدماغ. وعلى وجه الخصوص، يمكن لإساءة معاملة الأطفال و/أو إهمالهم أن يغيرا بشكل دائم فسيولوجيا الفرد. وقد تؤدي هذه التغيرات الفسيولوجية إلى زيادة احتمالية إصابة الشخص بالاكتئاب أو القلق في وقت لاحق من الحياة.


وقد أظهرت نتائج رائدة من دراسة كبرى أجريت على النساء المصابات بالاكتئاب في الولايات المتحدة أن النساء اللاتي تعرضن للإساءة في طفولتهن لديهن استجابات هرمونية مرتفعة بشكل غير طبيعي للتوتر مقارنة بالنساء اللاتي ليس لديهن تاريخ من الإساءة. ويشير ذلك إلى أن إساءة معاملة الأطفال مرتبطة بفرط النشاط المستمر للنظام الهرموني المرتبط باستجابة الإجهاد وقد يؤدي هذا إلى زيادة التعرض للاضطرابات النفسية في مرحلة البلوغ.


وقد أجريت الدراسة، التي أشرف عليها الدكتور تشارلز نيمروف من جامعة إيموري، على نساء تم تشخيصهن بالاكتئاب السريري وتعرضن للإساءة في طفولتهن؛ ونساء مكتئبات لم يتعرضن للإساءة في الماضي؛ ونساء أصحاء. وقد أعطيت كل واحدة منهن تجربة مرهقة إلى حد ما وطُلب منها حل مسائل رياضية بسيطة بصوت عالٍ أمام لجنة من القضاة غير المعبرين.


وتم قياس الكورتيزول والهرمون الموجه لقشرة الكظر (هرمونان يلعبان دورًا حاسمًا في استجابة الشخص للإجهاد) لدى كل امرأة أثناء قيامها بالمهمة. وقد وجد أن مستويات هذه الهرمونات كانت بارزة بشكل خاص لدى النساء اللاتي تعرضن للإساءة في طفولتهن واللاتي يعانين أيضًا من الاكتئاب الحالي. في الواقع، كانت مؤشرات استجابة الهرمون الموجه لقشرة الكظر لديهن أكثر من ستة أضعاف تلك لدى النساء الأصحاء.


بالإضافة إلى المستويات المرتفعة من هرمونات التوتر، وجدت دراسات أخرى أجرتها نفس المجموعة أن النساء اللاتي تعرضن للإساءة في طفولتهن كان لديهن نمو غير طبيعي لحصين الدماغ، مما يشير إلى نتيجة جسدية أخرى للإساءة المبكرة والتي يمكن أن تؤدي إلى تشوهات دماغية دائمة في وقت لاحق من الحياة.


يمكن أن تتأثر هياكل الدماغ الأخرى أيضًا بالإساءة المبكرة أو الإهمال. في حين أن الوحدة الأساسية للدماغ تكون موجودة عند الولادة، فإن المسارات العصبية لردود أفعال الجسم تجاه التجارب المختلفة لا تزال في طور النمو.


هناك فترة حرجة من الزمن في السنوات الثلاث الأولى من حياة الطفل تتشكل خلالها معظم هذه المسارات. إذا تلقى الطفل تحفيزًا سلبيًا في المقام الأول في وقت مبكر من حياته، فقد تتعطل أو تدمر المسارات اللازمة لتكوين علاقات دائمة والاستجابة للتجارب الإيجابية. وفي حين قد يكون هذا رد فعل لمساعدة الطفل على البقاء، إلا أنه قد يسبب صعوبات دائمة للفرد.


تظهر أبحاث أخرى أن أدمغة الأطفال المهملين بشدة تميل إلى أن تكون أصغر من المتوسط ​​مع مناطق غير متطورة في القشرة المخية. لا تزال الآثار المترتبة على هذا على المدى الطويل قيد الدراسة، لكنها تظهر طريقة أخرى يمكن أن تؤثر بها الرعاية أو الافتقار إليها على التركيب البيولوجي للشخص.


لا شك أن معرفة أن الطبيعة والرعاية هما جانبان حاسمان لصحة الشخص ستثبت أنها أداة مفيدة للغاية في البحث وعلاج الأمراض النفسية وقد تؤدي إلى علاجات أكثر فعالية في المستقبل.

إساءة معاملة الأطفال والاكتئاب - القلق لا يزال قائماً  إساءة معاملة الأطفال والاكتئاب - القلق لا يزال قائماً Reviewed by Admin on November 14, 2024 Rating: 5

No comments:

Search This Blog

Powered by Blogger.